العيني

133

عمدة القاري

قال بعضهم : أي وضعه . إن قلنا : إنه كان كما ولد ، ويحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة . إن قلنا : إنه كان في سن من يحبو . قلت : ليس المعنى كذلك لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع ، وإذا كان قائماً كانت الحال التي يخالفها القعود ، والمعنى ههنا : أقامه عن مضجعه ، لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماطة مضطجع ، فأجلسه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أي : أقام في حجره ، وإن كانت اتت به وهو في يدها ، بأن كان عمره مقدار سنة أو جاوزها قليلاً ، والحال أنه رضيع ، يكون المعنى : تناوله منها وأجلسه في حجره وهو يمسكه لعدم مسكته ، لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع في الشيء ، و : الحجر ، بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم ، لغتان مشهورتان . قوله : ( فبال على ثوبه ) الظاهر أن الضمير في ثوبه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قيل : إنه يرجع إلى الابن اي : بال الابن على الثوب نفسه ، وهو في حجره صلى الله عليه وسلم ، فنضح عليه الماء خوفاً أن يكون طار على ثوبه منه شيء . قلت : هذا مما يؤيد قول الحنفية ، وقد نسب هذا القول إلى ابن شعبان . قوله : ( فنضحه ) ، قد ذكرنا أن النضح هو الرش ، وقال ابن سيده : نضح الماء عليه ينضحه نضحاً إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش ، ونضح عليه الماء : رش . وقال ابن الأعرابي : النضح ما كان على اعتماد ، والنضح ما كان على غير اعتماد . وقيل : هما لغتان بمعنى ، وكله : رش . قلت : الأول : بالحاء المهملة ، والثاني : بالخاء المعجمة ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد ، و ( الصحاح ) لأبي نصر ، و ( المجمل ) لابن فارس ، و ( الجمهرة ) لابن دريد ، وابن القطوية وابن القطاع وابن طريف في ( الافعال ) والفارابي في ( ديوان الأدب ) وكراع في ( المنتخب ) وغيرهم : النضح الرش ، وقد استقصينا الكلام به في الحديث السابق مستقصىً . قوله : ( ولم يغسله ) ، ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب : ( فلم يزد على أن نضح بالماء ) ، وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب : فرشَّه . وقال بعضهم : ولا تخالف بين الروايتين بين نضح ورش ، لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو بتنقيط الماء . فانتهى إلى النضح ، وهو صب الماء ، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام : ( فدعا بماء فصبه عليه ) ، ولأبي عوانة : ( فصبه على البول يتبعه إياه ) . قلت : عدم التخالف بين الروايتين ليس من الوجه الذي ذكره ، بل باعتبار أن النضح والرش بمعنى ، كما ذكرنا عن الكتب المذكورة ، والوجه الذي ذكره ليس بوجه على ما لا يخفى ، وأما رواية مسلم فإنها تثبت أن النضح بمعنى : الصب ، لأن الأحاديث المذكورة في هذا الباب ، باختلاف ألفاظها ، تنتهي إلى معنى واحد ، دفعاً للتضاد . أَلا ترى أن أم الفضل ، لبابة بنت الحارث ، قد روي عنها حديثان : أحدهما فيه النضح ، والثاني : فيه الصب ، فحمل النضح على الصب دفعاً للتضاد ، وعملا بالحديثين على أن الأحاديث الواردة في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضا ، ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك قول العرب : غسلني السماء ، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم ، وكذلك يقال غسلني التراب : إذا انصب عليه . فإن قلت : يعكر على هذا قوله : ( فنضحه ولم يغسله ) قلت : قد مر جوابه في تفسير الحديث السابق ، على أن الأصيلي ادعى أن قوله : ( ولم يغسله ) من كلام ابن شهاب راوي الحديث ، وأن المرفوع انتهى عند قوله : ( فنضحه ) . قال : وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة ، قال : فرشه ، ولم يزد على ذلك . وأما الإعراب فقوله : ( لها ) : جملة في محل الجر لأنها صفة لابن ، وكذلك ، قوله : ( صغير ) بالجر صفة ابن ، وكذلك قوله : ( لم يأكل الطعام ) ، وقوله : ( إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) كلمة : إلى ، تتعلق بقوله : ( اتت ) ، و : ألفا آت ، الأربعة للعطف بين الكلام ، بمعنى التعقيب . بيان استنباط الأحكام منها : حكم بول الغلام الرضيع وقد مر الكلام فيه مستقصى . ومنها : الرفق بالصغار والشفقة عليهم ، ألا ترى أن سيد الأولين والآخرين كيف كان يأخذهم في حجره ويتلطف بهم ؟ حتى إن منهم من يبول على ثوبه فلا يؤثر فيه ذلك ، ولا يتغير ، ولهذا كان يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي وأمه وراءه ، وروي عنه أنه قال : من لم يرحم صغيرنا فليس منا . ومنها : حمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح ليدعوا لهم ، سواء كان عقيب الولادة أو بعدها ، وقال بعضهم : حمل الأطفال حال الولادة . قلت : حملهم حال الولادة غير متصور ، فهذا كلام صادر عن غير ترو ، وأيضاً قال هذا القائل : في هذا الحديث من الفوائد كذا وكذا ، وعدَّ منها : تحنيك المولود ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحاً ، وإن كان جاء هذا في أحاديث أخر لأن ظاهر الحديث يدل على أن أم قيس إنما أتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التبرك ، ولدعائه له ، لأن من